الشيخ محمد رشيد رضا
409
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في كل منها . وقد ثبت بها ثبوتا قطعيا أن من أسباب قلة الوفيات تحسين وسائل المعيشة والاعتدال فيها ، والتوقي من الأمراض باجتناب أسبابها المعروفة قبل وقوعها بقدر الامكان ومعالجتها بعد طروئها كذلك . وكل ما ثبت ووقع فهو دليل على أن العلم الإلهي قد سبق به ، ولا شيء مما ثبت في الواقع بناقض لشيء مما ورد في نص كتاب ربنا تعالى وما صح من سنة نبينا ( ص ) بل هو موافق له ، وهذا من حجج كون هذا الدين من علم اللّه تعالى إذ لا يمكن لبشر أن ير هذه المسائل الكثيرة في العلوم المختلفة على وجه الصواب الذي لا يزيده ترقي علوم البشر وتجاربها إلا تأكيدا ، وناهيك بما جاء على لسان نبي أمي نشأ بين الأميين . وسنعود إلى مثل هذا البحث في مناسبة أخرى ان شاء اللّه تعالى ومن مباحث اللفظ في الآية أن العطف في قوله تعالى ( وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) مستأنف لبيان ما تتم به الفائدة والا وجب أن يكون معطوفا على الجملة الشرطية لا الجزائية فيكون حاصل المعنى : ولكل أمة أجل لا يتأخرون عنه إذا جاء ، وهم لا يتقدمون عليه أيضا بأن يهلكوا قبل مجيئه . ولا يظهر معنى لعطفه على « لا يَسْتَأْخِرُونَ » الذي هو جزاء قوله « فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ » إلا بتكلف ، والمعنى على هذا موافق لقوله تعالى ( ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ) * وأما حكمة العدول عن الترتيب الطبيعي هنا فهي إفادة أن تأخير الاجل أو تأخير الهلاك قبل حلول أجله ممكن للأمة التي تعرف أسبابه وتملك العمل بها ، كترك الظلم والبغي والفجور إلى أضدادها ، وهو يتضح بما ضربنا لها من الأمثال آنفا . * * * ( 35 ) يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 36 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) هذا النداء هو الرابع لبني آدم كافة منذ بعث اللّه إليهم الرسل ( ع . م ) فهو يؤذن بأنه هو وما قبله حكاية لما خاطب اللّه به كل أمة على لسان رسولها وبينه